روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

101

عرائس البيان في حقائق القرآن

ارتبط الأشياء بأضدادها ، وانفرد هو عن الأحوال لأنه محولها . ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أذل حلاوة زهرة الكونين والعالمين عن قلوب أهل الصفوة بقوله : ما فِي السَّماواتِ أي : الحوادث التي استأصلها عن مزار وحدانيتي ، ألا وهي الأسرار الموحدين رغبهم بفنائهم عن الأسباب والعلامات ، ووبخ من التفت سره عنه إلى ماله ؛ لأن الالتفات من المنعم إلى النعماء شرك بالمنعم ، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ أغرق الشافع والمستشفع في بحار مننه إذ لا يفرض كلاءة عباده إلا إلى نفسه ، وأيضا قطع أسباب حيل الوسيلة عن عناية الأزلية ، وأيضا أدب الخلق بهذه الآية حتى لا ينبسط إليه إلا من غلبه السكر والانبساط ، والأذن مقام الهيبة عند سرادق العظمة ، والحكم حال الانبساط في بساط الألفة ، والخائفون مراقبون الإذن ، والعاشقون يريدون ويقتحمون في الحكم ؛ لأن صاحب الحكم في هيجانه ملتبس بسناء التوحيد ، معتزل عن الأشباح بنعت التفريد ، أسكرته مشاهدة الحسن ، واضطرته مكاشفة القدس إلى البسط والانبساط ، وهذين الوصفين يكونان في العارف من الأنبياء والأولياء ، فالأول نعت تبت ، والآخر نعت أزلي . وقيل : جذب به قلوب عباده إليه في العاجل والآجل . قال الواسطي : لو جعل إلى نفسه وسيلة غير نفسه كان معلولا ، ومن تزيّن بإخلاصه ومحبته ورضاه توسل بصفاته إلى من لا وسيلة له إلا به قال اللّه تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . قال منصور : فأي الشفيع إلى من لا يسعه غيره ، ولا يحجبه سواه . وقال الواسطي : من ذا الذي يدعوني حتى أذن له في الدعاء ، ومن ذا الذي يؤمن به حتى أهديه ، ومن ذا الذي يطيعني حتى أوقفه ، ومن ذا الذي ينتهي عن المعاصي حتى أعصمه « 1 » . يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي : يعلم ما بين أيديهم من الخطرات ، وما خلفهم من العثرات ، وأيضا يعلم ما بين أيديهم من المقامات ، وما خلفهم من الحالات ، وأيضا يعلم منهم قبل إيجادهم ما ابتلاهم به من أسرار الأفعال المقرونة بالإرادة ، ويعلم منهم بعد كونهم من درك المعاينات في مقام العبودية من أسرار علم الأزليات . وقال أبو القاسم : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ لأنه لا يخرج عن علمه

--> ( 1 ) وقال ابن عجيبة : هذا بيان لكبرياء شأنه ، وأنه لا يدانيه أحد ليقدر على تغيير ما يريده بشفاعة واستكانة ، فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبة . البحر المديد ( 1 / 212 ) .